فصل: قال البيضاوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال البيضاوي:

{إنَّمَا يُؤْمنُ بآياتنا الذين إذَا ذُكّرُوا بهَا} وعظوا بها.
{خَرُّوا سُجَّدًا} خوفًا من عذاب الله. {وَسَبَّحُوا} نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث. {بحَمْد رَبّهمْ} حامدين له شكرًا على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبرُونَ} عن الإيمان والطاعة كما يفعل من يصر مستكبرًا.
{تتجافى جُنُوبُهُمْ} ترتفع وتتنحى. {عَن المضاجع} الفرش ومواضع النوم. {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} داعين إياه {خَوْفًا} من سخطه. {وَطَمَعًا} في رحمته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها «قيام العبد من الليل» وعنه عليه الصلاة والسلام: «إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعًا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس».
وقيل كان أناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم. {وَممَّا رزقناهم يُنفقُونَ} في وجوه الخير.
{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفىَ لَهُم} لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. {مّن قُرَّة أَعْيُنٍ} مما تقربه عيونهم. وعنه عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما أطلعتهم عليه، أقرؤوا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم» وقرأ حمزة ويعقوب {أُخْفىَ لَهُم} على أنه مضارع أخفيت، وقروء نخفي وأخفي الفاعل للكل هو الله، وقرأت {أَعْيُن} لاختلاف أنواعها والعلم بمعنى المعرفة و{مَا} موصوله أو استفهامية معلق عنها الفعل. {جَزَاء بمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي جزوا جزاء أو أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلو شأنه. وقيل هذا القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.
{أَفَمَن كَانَ مُؤْمنًا كَمَن كَانَ فَاسقًا} خارجًا عن الإيمان {لاَّ يَسْتَوُونَ} في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح والجمع للحمل على المعنى.
{أَمَّا الذين ءَامَنُوا وَعَملُوا الصالحات فَلَهُمْ جنات المأوى} فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة. وقيل المأوى جنة من الجنان. {نُزُلًا} سبق تفسيره في سورة آل عمران. {بمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالهم أو على أعمالهم.
{وَأَمَّا الذين فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النار} مكان جنة المأوى للمؤمنين. {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُواُ منْهَا أُعيدُوا فيهَا} عبارة عن خلودهم فيها. {وَقيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ به تُكَذّبُونَ} إهانة لهم وزيادة في غيظهم.
{وَلَنُذيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الأدنى} عذاب الدنيا يريد ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر. {دُونَ العذاب الاكبر} عذاب الآخرة. {لَعَلَّهُمْ} لعل من بقي منهم. {يَرْجعُونَ} يتوبون عن الكفر. روي أن الوليد ابن عقبة فاخر عليًا رضي الله عنه يوم بدر فنزلت هذه الآيات.
{وَمَنْ أَظْلَمُ ممَّن ذُكّرَ بئايات رَبّه ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} فلم يتفكر فيها، و{ثُمَّ} لاستبعاد الإعراض عنها مع فرض وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكير بها عقلًا كما في بيت الحماسة.
وَلاَ يَكْشفُ الغُمَاءَ إلاَّ ابْن حرَّة ** يَرَى غَمَرَات المَوْت ثُمَّ يَزُورها

{إنَّا منَ المجرمين مُنتَقمُونَ} فكيف ممن كان أظلم من كل ظالم.
{وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب} كما آتيناك. {فَلاَ تَكُن في مرْيَةٍ} في شك. {مّن لّقَائه} من لقائك الكتاب كقوله: {إنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان} فإنا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه فليس ذلك ببدع لم يكن قط حتى ترتاب فيه، أو من لقاء موسى للكتاب أو من لقائك موسى. وعنه عليه الصلاة والسلام: «رأيت ليلة أسري بي موسى صلى الله عليه وسلم رجلًا آدم طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءة» {وجعلناه} أي المنزل على موسى. {هُدًى لّبَنى إسراءيل}.
{وَجَعَلْنَا منْهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ} الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام. {بأَمْرنَا} إياهم به أو بتوفيقنا له. {لَمَّا صَبَرُوا} وقرأ حمزة والكسائي ورويس {لَمَّا صَبَرُوا} أي لصبرهم على الطاعة أو عن الدنيا. {وَكَانُوا بآياتنا يُوقنُونَ} لإمعانهم فيها النظر.
{إنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. {فيمَا كَانُوا فيه يَخْتَلفُونَ} من أمر الدين.
{أَوَ لَمْ يَهْد لَهُمْ} الواو للعطف على منوي من جنس المعطوف والفاعل ضمير ما دل عليه. {كَمْ أَهْلَكْنَا من قَبْلهمْ مّنَ القرون} أي كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية، أو ضمير الله بدليل القراءة بالنون. {يَمْشُونَ في مساكنهم} يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم، وقرىء {يَمْشُونَ} بالتشديد. {إنَّ في ذَلكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} سماع تدبر واتعاظ.
{أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الماء إلَى الأرض الجرز} التي جرز نباتها أي قطع وأزيل لا التي لا تنبت لقوله: {فَنُخْرجُ به زَرْعًا} وقيل اسم موضع باليمن. {تَأْكُلُ منْهُ} من الزرع. {أنعامهم} كالتين والورق. {وَأَنفُسهمْ} كالحب والثمر. {أَفَلاَ يُبْصرُونَ} فيستدلون به على كمال قدرته وفضله.
{وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله: {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا} {إن كُنتُمْ صادقين} في الوعد به.
{قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُوا إيمانهم وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وهو يوم القيامة فإنه يوم نصر المؤمنين على الكفرة والفصل بينهم. وقيل يوم بدر أو يوم فتح مكة، والمراد بالذين كفروا المقتولون منهم فيه فإنهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل ولا يمهلون وانطباقه جوابًا على سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم، فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيبًا واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال.
{فَأَعْرضْ عَنْهُمْ} ولا تبال بتكذيبهم، وقيل هو منسوخ بآية السيف. {وانتظر} النصرة عليهم. {إنَّهُمْ مُّنتَظرُونَ} الغلبة عليك، وقرىء بالفتح على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة ينتظرونه.
عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ «الم تنزيل، تبارك الذي بيده الملك أعطي من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر» وعنه: «من قرأ الم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام». اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري:

{الم (1) تَنْزيلُ الْكتَاب لَا رَيْبَ فيه منْ رَبّ الْعَالَمينَ (2)}.
التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن. وإعرابه قريب من قوله: {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1-2] وميل جار الله إلى قوله: {تنزيل الكتاب} مبتدأ خبره {من رب العالمين} ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في {فيه} راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلًا من عنده. ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف في أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال هاهنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولًا أنه في أي علم. فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.
سأل: إنه تصنيف اي شخص؟ ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لابد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته. ثم اضرب عما ذكر قائلًا {أم يقولون افتراه} وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.
ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك. ومعنى {لتنذر قومًا} قد مر في القصص ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال: {الله} مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره. وقوله: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون} إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعيمن أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله سبحانه. ولما بين الخلق شرع في المر فقال: {يدبر الأمر} اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبرًا من السماء إلى الرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد {قليلًا ما تشكرون} أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوبًا في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ. ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جرًا. أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي. ورده مع جبرائيل ايضًا وتقدير الزمان بالف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا. وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في المعارج. وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور. وخصت السورة بقوله: {ألف سنة} موافقة لما قبله وهو قوله: {في ستة أيام} وتلك الأيام من جنس هذا اليوم. وخصت سورة المعارج بقوله: {خمسين ألف سنة} [الآية: 4] لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها. وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.
ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال: {ذلك عالم الغيب والشهادة} وفي قوله: {العزيز الرحيم} إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر {الرحيم} مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله: {الذي أحسن كل شيء خلقه} نظيره {الذي أعطى كل شيء خلقه} [طه: 50] وقد مر في طه. وعطف عليه تخصيصًا بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله: {ثم جعله نسله} أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول المؤمنين، وقوله: {من ماء} بدل من سلالة والمهين الحقير. ومعنى {سوَّاه} قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله: {وجعل لكم} تنبيهًا على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخًا على قلة الشكر عليها. ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها. والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمدًا مفتر وقالوا: الله ليس بواحد {وقالوا أئذا} يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى {ضللنا في الأرض} غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها. والعامل في {أئذا} ما يدل عليه قوله: {أئنا لفي خلق جديد} وهو نبعث أو يجدد خلقنا. ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجيمع أحوال الآخرة. ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده. ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله: {ولو ترى} أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب {إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم} خجلًا وندامة قائلين {ربنا أبصرنا} ما كنا شاكين في وقوعه {وسمعنا} منك تصديق رسلك وجواب لو محذوف وهو لرأيت أمرًا فظيعًا، وجوزا أن يكون لو للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم. ثم إنه سبحانه ألزمهم وألجمهم بقوله: {ولو شئنا} الآية. وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر هود. ثم أكد إهانتهم بقوله: {فذوقوا} وانتصب {هذا} على أنه مفعول {فذوقوا} وقوله: {لقاء} مفعول {نسيت} أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون {هذا} صفة {يومكم} ومفعول {ذوقوا} محذوف وهو العذاب و{لقاء} مفعول {نسيتم} او هو مفعول {فذوقوا} على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون {نسيتم} متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.
وقوله: {إنا نسيناكم} من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وقوله: {عذاب الخلد} من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق. أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكرًا وتواضعًا حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له {خوفًا} من اليم عقابه {وطمعًا} في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو التهجد. قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس» عن علي رضي الله عنه:
جنبي تجافى عن الوساد ** خوفًا من النار والمعاد

من خاف من سكرة المنايا ** لم يدر ما لذة الرقاد

قد بلغ الزرع منتهاه ** لابد للزرع من حصاد

عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
وما في قوله: {ما أخفي} موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ماأخفى لهم من قرة أعين» وعن الحسن: أخفى القوم أعمالًا في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت. قال المحققون: إنه يصدر من العبد عمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله تعالى أن يقول: أنا أحسنت أولًا، والعبد أحسن في مقابلته، فالثةواب تفضل من غير عوض. وله أن يقول: الذي فعلته أولًا تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيرًا لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبدًا، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.
يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي. فقال له علي: اسكت فإنك فاسق. فأنزل الله تعالى فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة {افمن كان مؤمنًا} إلى آخر ثلاث آيات أو أربع. ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله: {لا يستوون} محمول على المعنى. ثم فصل عدم استوائهما بقوله: {أما الذين آمنوا} {وأما الذين فسقوا} و{جنات المأوى} نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس. وقال بعضهم: هي عن يمين العرش. وفي لام التمليك في {لهم} مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار. فإنه يحمل على الإعارة وإنه تعالى قال لأبينا آدم {اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة: 35] لأنه كان في علمه أنه يخرج منها. وإنما قيل هاهنا {عذاب النار الذي كنتم به} وفي سبأ {عذاب النار التي كنتم بها} [الآية: 42] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي سبأ لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.